نصرة أهل غزّة: موقف ديني وإنساني ضدّ تبرير المأساة

شارك المقال

الفهرس

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت

نبدأ بهذه الكلمةِ النّبويّة، والدّرسِ العظيم من جوامع الكلم، لأنّه معيارٌ ثقيل متوازن لا يقبل المساومة، ويضع الأمور في نصابها الأمثل. كمسلم ابتداءً، إن لم تستطع أن تقول خيرًا فتوقّف عن الكلام، وبذلك الصّمت أنت في عبادة، مأجور لابتغائك عدم أذيّة الآخرين، وليس أيّ آخرين، إنّهم تيجان الرّؤوس في غزّة.

سمعنا مؤخّرا، على لسان شيخنا الحبيب، صاحب المنبر الفصيح، أسد السّنّة، الّذي لطالما ألجم أفواه المتربّصين بسيلٍ من الأدلّة السّاطعة… سمعناه يقول:

“ما يحدث في غزّة هو «بسبب ذنوبهم»”

لماذا نرفض تبرير المأساة بذرائع دينيّة؟

شيخنا الحبيب،
نرفض هذه الأقوال وبشدّة! ليس بدافع غضبٍ أعمى، ولا حقد دفين، ولا أمرٍ شخصيّ، بل بدافع حياءٍ دينيّ وإنسانيّ، وواجبٍ أخلاقيّ تفرضه الإنسانيّة قبل أيّ اعتبار! لا يليق بمَن يحمل في جوفه علمًا عظيما أن يُبرِّر المأساة دون عدلٍ وتبصّر، فيجتهد برأيه معمّما الأمر على جميع النّاس، ومساويا بذلك بين أهل غزّة وسواهم. لا يقبل عقلٌ راجح ولا نقلٌ متواتر أن نحمّل شهيداً أو طفلاً تحت الرّكام وزرَ ما ترتكبه عروشٌ شيطانيّة، ومجالسُ ومطابخُ سياسة بعيدة، ترتدي زيّ الموحّدين، وتتنفّس تعاليم الكفر البواح، برئتين صهيونية.

أين هي الذّنوب الحقيقية؟

شيخنا الحبيب،
إنّ الذّنوب الحقيقيّة الّتي تغرق الأمّة حتّى رأسها في الهوان ليست في أزقّة المكلومين، ولا دموع الأرامل، ولا صراخ المفجوعين، ولا أنين الجائعين، بل في تلك المعاهدات الّتي باعت الأرض ابتداءً، ونصّبت الحدود الجائرة، وشيّدت الأسوار العالية، وأشبعتها أسلاكاً شائكة. هي في ذلك الصّمت المطبق على المجازر، والخذلان المستمرّ، والاعتياد على المشهد، والمتابعة من بعيد كأنّ الأمر برمّته فيلم سينمائيّ، يتناول المشاهد خلال مشاهدته البوشار، ويبدي إعجابه بإتقان التّمثيل، وبراعة المُخرج.

أهل غزّة يا شيخنا الحبيب يُصلّون تحت القصف، يُخرّجون الحُفّاظ من بين الخيم، ويُخرِجون أبناءهم من تحت الرّكام وهم يلهجون بـ “الحمد لله”، ويتلون القرآن في أروقة انتظار وصول الإسعافات، ويُقدّمون آلاف الشّهداء في سبيل الله، فرجالهم صُبّر، ونساؤهم برغم كلّ المآسي لا يظهرن إلّا بحجاب ساتر، وشيوخهم متمسّكون بالأرض تمسّك الرّضيع بأمّه.

كيف يُعقل أنّ هؤلاء النّخبة ممّن يرابطون على الثّغور صاروا في نظر البعض مذنبين استحقّوا العقوبة!؟ بينما من باع فلسطين، وصفّق للعدوّ، وملأ الشّاشات بالرّقص والفساد، وألهى الشّباب بالتّرندات والتّفاهات لم يُصب بشيء!؟ أيّ منطق أعوج هذا؟!

دور العلماء والمؤثّرين في نصرة أهل غزة: كلمةٌ مسؤولةٌ لها أثر

وهذه رسالة أُخرى، لأصحاب المواقع المؤثّرة، والمنصّات المنتشرة، للعلماء والمشايخ والدّعاة، والمشاهير والمؤثّرين، وكلّ من له حضور عامّ قويّ، كلّ من موقعه:

إنّ لكلامكم أثراً عمليّاً في قلوب النّاس، وفي قلب موازين الرّأي العامّ، فكونوا منصفين، ادعوا إلى النُّصرة والعمل الجادّ لدعم غزّة، لا إلى طعن الضّحايا أو تبرير الظّلم، فإنّ تحويل المُصاب إلى مُتّهمٍ يُرضي العدوّ، ويخدمه، ويسهّل مهامّه، لكنّه يخيّب الأمل، ويثبّط العزائم، ويثير الشّكوك، ويبثّ الفتن، ويزعزع ثبات الأمّة في وقت أحوج ما نكون لهذا الاعتصام بحبلِ الأخوّة لا الفرقة.

منكم شيخنا الحبيب تعلّمنا أنّ نصرةَ المسلمين ونصرةَ المظلوم عموماً ليست حروفاً تُكتب، أو كلمةً تُقال، بل هي عملٌ وتطبيق، ودعاءٌ وإغاثةٌ، وحشدُ رأيٍ عامٍّ، ومناصرةٌ قانونيّةٌ وسياسيّةٌ وإنسانيّة، وأنّ من يملك منصّةً أو صوتًا فواجبٌ عليه أن يستخدمهما للدّعوة إلى الفعل الطّيّب، وإلى نُصرة المظلومين، والدّفاع عنهم بما استطاع، ولا يوجّه كلامه إلى طمسِ الحقائق، أو تبييضِ صفحة الظّلم، أو تشويش الأمور الواضحة.

النصرة بالحكمة لا بالطعن!

وإلى الّذين يقضون أوقاتهم مُترصِّدين زلّاتِ النّاس لِيُلقوا عليهم التُّهَم، فيَصِفونهم بالعداوة للإسلام: اعلموا أنّكم لا تنصرون الدين بأفعالكم هذه، بل تُغذّون بجهلكم وغضبكم وحقدكم نفوسا مريضة، توهن كيان الأمّة، وتنخر عظامها، وتقطع شرايينها الواحد تلو الآخر.

انتصارُ الإسلام لا يكون بالطّعنِ ولا بالشّتيمة، ولا بتحويلِ خطأِ إنسانٍ غير معصوم إلى ذريعةٍ لهدمِ شخصيّتِه وطمسِ مكانته ونسف ما يمثّله من قوّة لهذا الدّين، فإن كنتم تهتمّون بالإسلام حقًّا، فالنُّصرةُ تكون بالحِكمة والموعظة الحسنة، وبالحقِّ الّذي يُقال بلا تجريح، وبالدّعاء الّذي يرقِّق القلوب، وبالنّصحِ الّذي يُصلحُ ولا يزيدُ الجراح، وبالالتفاف حول مصلحة الأمّة، وإعلاء راية الحقّ، لتحجب رايات الضّلال والخطأ.

وأذكركم بقول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم:

اعْفُ عمَّنْ ظَلَمَكَ ، وصِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وأحسنْ إلى مَنْ أساءَ إليكَ ، وقُلْ الحقَّ ولَوْ على نفسِكَ

إنّ التّشهير والإهانة تُسقطُ الإنسان وتحطّ من قدره، ولن تُصلحَ المجتمع؛ أمّا النّصح بالحُسنى، على نيّة النّهوض بالأمّة، فهو يُنقّي القلوب، ويصونُ الأوطان، ويوحّد الصّفوف، ويرصّ البنيان…

لا تجعلوا من زلّةٍ فرصةً للسّباب والشّتيمة والانتقاص والتّجريح، بل ادعوا بالهداية، واذكروا الحقّ بصوتٍ رزين، وكونوا سيوفاً للحقّ لا ألسنة للقدح. فكلّ كلمةٍ تُقال بحقدٍ تُصبِح وزرًا ستحمِلُونه أمام الله والنّاس…

ما الذي يمنع نصرة أهل غزة؟

ولمن يريد الحديث عن «الذّنوب» فليبدأ من حيث يجب: التّطبيع، الخيانة، التّخاذل، عدم المقاطعة، الاعتياد، الصّمت الرّسميّ والمجتمعيّ.

لا تحوّلوا مَنْ دافعوا عن أراضيهم إلى مُذنِبين، لأنّهم آثروا الصّبر والجهاد على التّنازل والخروج من أرضهم، بل هم رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ، فليكن دمهم وسام كرامة لكلّ الأمّة لا سببا للطّعن والانتقاص، كيف لا ونحن لم نذق مرارة ما يقاسون؟!

اللّهمّ ثبّت أهل غزّة، واجمع كلمتنا على نصرتهم بعملٍ مؤثّر لا بكلام فارغ، واجعلنا عونًا لهم مساندين إيّاهم، لا مُبرّرين للمهانة، ولا راضين بما يحدث.

ندعوكم إخواني وأخواتي إلى أن نكون عمليّين في نصرتنا،

  • ادعوا الله بصدقٍ وإلحاح..
  • ادعموا المؤسّسات الإنسانيّة الموثوقة مادّيّاً ومعنويّاً..
  • قاطعوا المنتجات الدّاعمة للكيان. يمكنكم استخدام هذا الموقع للتحقق من المنتجات..
  • نوّعوا الضّغط وكثّفوه إعلاميّا للوقوف ضدّ الظّلم..
  • ولا ننسى أنّ الكلمة لها وزن، فلنقل الحقّ بالحكمة..

ومن قال شيئًا يبرّر الصّمت أمام الجَور فنقول: ” لا مكان لتبرير الظّلم هنا، الحقّ يقتضي الوقوف مع المظلوم أينما كان، وبكلّ وسيلةٍ شرعيّةٍ ممكنة، لأنّه الحقّ. “

اللّهمّ اجعلنا ممّن ينصرون ويناصرون المظلومين المستضعفين، ولا تجعلنا من المعزولين عن حقٍّ أنت أمرتنا به، فلا تستبدلنا يا أرحم الرّاحمين..

آخر المقالات والأخبار

شارك المقال