قد يقف الإنسان أمام الأحداث الكبرى حائرًا، يسأل نفسه: ما الذي أستطيع أن أفعله وحدي؟ وتبدو المآسي التي يعيشها أهلنا في غزّة أكبر من قدراتنا الفردية، فيخيّل إلينا أن دورنا لا يكاد يُذكر. لكن الحقيقة أنّ الطريق إلى التأثير لا يُقاس بحجم الضجيج ولا بكثرة الظهور، بل بصدق التوجّه إلى الله عز وجل.
السجود: بداية الحكاية التي لا تراها الكاميرات
في غرفتك الصغيرة، وعلى سجادتك البسيطة، حين تُسدل جبهتك على الأرض، تبدأ حكاية لا تراها الكاميرات، ولا تدوّنها الصحف، ولا يعلمها إلا خالقك. سجدة واحدة منك قد لا تبدو في ظاهرها سوى فعل فردي محدود، لكنّها في ميزان الله أعظم أثرًا من مؤتمرات وندوات، لأنها تحمل الصدق والتضرع لمن بيده ملكوت السماوات والأرض.
بين عالم الأسباب وسنن السماء
قد يقول العقل المجرّد: إنّ سجدة إنسانٍ واحد لا تغيّر شيئًا في واقعٍ دمويٍّ متشابك، لكنّ القرآن والسنة يفتحان لنا نافذة أخرى: أنّ دعاءً صادقًا يبدّل الله به قدَرًا، ويزرع به وعيًا في قلب بعيد، ويعجّل به فرجًا لأمّة، ويغيّر مسار التاريخ بأكمله.
ما بين سجودك ونصرة أخيك هناك مساحة لا تحكمها قوانين المسافة، بل يضبطها عمق الصدق في التوجّه إلى الله.
السجود ليس انسحابًا من الواقع
حين تتبلّل السجدة بالحياء، وتغمسها بحرارة الوجع، وتعجنها بالإخلاص، وترافقها بالحضور والشعور، فهي ليست انسحابًا من الواقع، بل تجسّد أرقى صور الفعل. ففي اللحظة التي يعجز فيها الجسد، يبقى القلب في مقام المبادرة، والخشوع، والتذلل، والابتهال.
اللهم إنّا نشهدك أنّا أبرياء من الصمت والخذلان، وأنّا لو كانت بأيدينا حيلة ما تأخّرنا، وأنت تعلم السرّ وأخفى.
اللهم إن الأرض أرضك، والجند جندك، والأمر أمرك، وأنت القوي العزيز، القدير الجبار، فانصر أهلنا في غزّة نصرًا عزيزًا مبينًا، عاجلًا غير آجل، يا ذا القوّة المتين.





